07/07/2012

أربعة أعوام مرت على رحيلك من هذه الحياة، وكنت أظن أنه بعد أيام، شهور، أو حتى سنين سوف ننساك لفعل الوقت وسنة الحياة. لكن كلما طالت المدة كلما زادت الوحشة في قلوبنا وزاد الاشتياق تجاهك. يا عمي لم أنسَ كم كنت كريماً، محباً، لطيفاً، لا تعادي من عاداك، و شيم الرجال كانت من طباعك. اليوم السابع من كل سنة بشهر يوليو هو يوم رحيلك، وهو عزاء نلبس السواد به ونبكيك وكأنك للتو رحلت. لازلت نادمًا أنني أتيت ولم أرك الا بالكفن. حاولت، والعبرة تقتلني أن أقبل جبينك لكن لم استطع، حاولت أن ألمسك، لكن يديَّ شُلّت و ورفضت أن تتحرك.. لم تغب عن ذاكرتي ولن أنساك ما حييت.. رحمك الله يا أغلى من رحلوا عن هذه الحياة وأسكنك فسيح جناته 

Advertisements
نُشِرت في Uncategorized

كانت جبيل وكنّا (ج١) الموت

مدونة: مقبل الصقار

10982279_1059894180692769_3744693648207922217_n10455655_1059890787359775_814404592858161781_n

(١)

قرر الصديقان يوسف وخالد الذهاب إلى لبنان في الإجازة الصيفية القادمة بعد أن يرجع يوسف المبتعث في الخارج إلى الرياض، ومنها إلى بيروت عاصمة الحب والحرب. يوسف وهو في الغربة كان يعدُ الأيام والليالي ليحين وقت سفره إلى مدينته الرياض، و كله حماسة لزيارة لبنان بعد أن ذهب إليها مع خالد وسامر خلال إجازة الربيع وقرر أن يعود إليها، فمن يزور مدينة جبيل يتوجب عليه العودة إليها مجددا لسحرٍ مجهول يستوطن مبانيها القديمة. أنهى يوسف اختباراته النهائية و باليوم التالي توجه مباشرةً إلى العاصمة الأمريكية ومنها طار إلى الرياض. كان صديقه خالد بإنتظاره أمام بوابة الخروج، ساعده بحمل الحقائب للسيارة وتوجها إلى بيت يوسف. دخل يوسف إلى بيته، وكالعادة لم يخبر والدته بعودته، وكانت بدورها جالسةً في صالة الجلوس تتنقل بين قنوات التلفاز من دون اكتراث، وأخته الصغيرة تلعب بمطبخها الصغير مع صديقاتها الدمى. كانت مفاجأة بالفعل عندما دخل عليهم يوسف حاملاً حقائبه؛ هرعت لطيفة من مقعدها بفرح لعودة…

View original post 2٬530 more words

نُشِرت في Uncategorized

كانت جبيل وكنا (ج٢) الروح

11044614_1059893857359468_2033605883051499500_n

أغلق يوسف هاتفه بعد محادثته لأمه لطيفة وطمأنتها عليه و على أنه سيعود إلى الرياض بالقريب العاجل, وتوجه إلى داخل القلعة تاركاً البحر خلفه وشمس لبنان كانت تنزل إلى مستقرها. خالد كان مستمرًا بالنظر إلى البحر ويتحدث مع خطيبته لمياء التي كانت تبكي وتريده أن يعود بأسرع وقت. دخل يوسف إلى القلعة, لم يكن يعلم أن مقاتلي الدولة الإسلامية دخلوا حدودها.. رآهم يدخلون وهم مدججيون بالسلاح.. ارتبك، أراد أن يعود حيث كان مع خالد أمام البحر، كان يبحث عن مخرج غير الذي دخلوا منه هؤلاء المسلحين. استقرت الرصاصة في منتصف رأسه وانهارت قواه وتهاوى أرضاً. سقط قتيلاً لا يتحرك به شيء. عندما يموت الإنسان روحه تنفصل عن جسده وتستقل عن هذا الجسد, ترحل عنه لمرحلة جديدة. والعقل أثناء نزاع الروح للخروج يعيش للحظات يعمل بها على فرز جميع الذكريات ويشكلها على ما يريد من صور يراها فقط صاحب الجسد، ولا تراها الروح. ارتقت روح يوسف فوق القلعة وصارت تراقب المشهد الذي يحدث للوعاء التي كانت تسكنه لعقدين من الزمن. الجسد يبحث عن خيطٍ للحياة وينازع كالغريق الذي يبحث عن هواء ليتنفسه، كان جسد يوسف يبحث عن روح لتبقيه حياً. جسد يوسف شعر بالغدر من قبل هذه الروح، وفقد الأمل وبدأ يعيش مراحله في السرد التاريخي بطريقة درامية أشبه بالأفلام التي تعيشها نفس يوسف في الجانب الأخر، قبل أن يموت الجسد وتنتقل كل الذاكرة لتختفي مع الروح، أو هذا ما كان متوقع.

دخل مقاتلين من حزب الله اللبناني ومعهم قوات من الجيش اللبناني إلى القلعة وتم تبادل اطلاق النار على المسلحين وتم قتلهم بلا خسائر من بين الجنود، وكانت جثة يوسف بقميصه الأبيض تتوسط جثث المقاتلين من الدولة الإسلامية. كانت لمياء تبكي رعباً على خطيبها خالد، الذي بدوره كان يحاول أن يسيطر على خوفه لكي لا تخاف عليه أكثر، وكان يكثر بالنكت عليها و يقول لها أن الوضع ليس كما تتخيله هي أو ما تراه في نشرات الأخبار، لأن الأخبار دائما تضخم الأمور، وبدأ يغني لها بصوت ضاحك يعتريه الخوف “ سماح يا لمياء سماح بحر الهوا دباح، خدني و رماني لفوق من بعد مساء وصباح، سماح يا لمياء سماح” ، حتى سمع دوي إطلاق النار، الرصاصة التي استقرت بنصف رأس صديقه يوسف. سقط الجوال من يديه وصوت لمياء يردد: “ ماذا حصل؟؟ ألووو خالددددد هل تسمعني!!؟” ثوان معدودات من الصمت يتلوها صوت أقدام بعد اطلاق الرصاصة، وبعدها بدأت أصوات النار بقوة حتى توقفت هي الأخرى.. لم يتحرك خالد من مكانه وكأن كل أعضائه شلت من الخوف والهلع. همس بصوت مرتجف “ يوسف.. يوسف أين أنت يا صديقي.. يوسف!!!” لم يسمع الرد من صديقه وكانت الدموع تنزل من عينيه بطريقة لا يستطيع السيطرة عليها.. حمل هاتفه النقال الذي وقع على الأرض، واتصل برقم يوسف اللبناني.. “تررن ترررن” حمل الهاتف ضابط لبناني من جيب جثة يوسف الملقاة على الأرض و رد على رنين الهاتف.. أتى صوت خالد مرتبك وخائف: “ أألو، يوسف أين أنت!؟ أنا أسمع صوت طلقات رصاص، أين ذهبت؟ لماذا لا ترد؟؟” رد الضابط: “ وجدت هذا الهاتف بجيب جثة القتيل بين القتلى، هل أنت أحد أقربائه” والضابط يتحدث مع خالد من خلال الهاتف كان يبحث عن هوية القتيل.. استطرد “ اسمه بالهوية يوسف الشحان، هل تعرفه؟” خالد لم يستطع الكلام؛ عقد لسانه وتوقف عقله عن العمل، لكن جسده خرج من مخبأه وتوجه للقلعة. كان يمشي متوجها للقلعة بخطوات أشبه بترنحات سكران لم يفق منذ زمن..

10408126_1059893170692870_3019513252671721115_n

دخل إلى مسرح الجريمة حيث الجثث ذات الرداء الأسود التي انتصفتها جثة يوسف بلباسه الأبيض، الصديق الذي قدم معه من الرياض إلى لبنان ليقضوا أجمل الأوقات ويعيدوا الذكريات التي صنعوها سابقاً.. أسلحة الجيش توجهت نحوه، وهو يرفع يديه بإحداهما الهاتف الذي كان يكلم الضابط به. غرقت عيناه وهو يرى جثة صديقه ملقاة بين الجثث، أنزل الجيش سلاحه بعد أن عرفوا أنه من كانوا يتحدثون معه بعد أن تعرف عليه موظف القلعة أنه كان مع القتيل يوسف عندما دخلوا القلعة قبل ثلاث ساعات من حدوث الجريمة. جثا على ركبتيه أمام جثة يوسف واجهشت عيناه بالدموع وقال: “ يوسف، يوسف قوم يا يوسف، حجزت تذكرتين للرياض وسوف نعود كما وعدتك سالمين. والدتك يا يوسف تنتظرك واختك الصغيرة، دعك من المزاح الثقيل وقم هيا هيا!!” وبدأ يحاول أن يُوقف يوسف على قدميه لكن الموتى لا يقفون.. يوسف بالجانب الأخر كان يعيش مغامرة أخرى يرى فيها خالد صامت ويتبعه والملثم خلفهم، ينتقلون من مشهد لآخر..

تم نقل الجثة إلى مستشفى سيدة مارتين من قبل الصليب الأحمر، و خالد كان بسيارة الإسعاف الأخرى بعد أن سقط مغشياً عليه من إثر الصدمة.. الأصدقاء سمعوا بالخبر وتوجهوا هرعين إلى المستشفى ليكونوا مع خالد بهذا الوقت العصيب. روح يوسف كانت تتبعهم بصمت، وكانت بذاتها لا تعرف من هي أو لماذا كانت متواجدة فوق القلعة تشاهد عملية القتل؛ كانت روح بلا ذكريات، لأن الذكريات كانت لاتزال بجسد ونفس يوسف التي بدورها كانت مشغولة بمطاردة وانتقالات كانت تعيشها بالجانب الأخر هرباً من الملثم داخل ذكريات يوسف.. كانت الروح تتبع جسد يوسف بلا سبب وكأنها كانت مربوطة بخيط رفيع يربطها بجسده.. الروح كانت خالية من المشاعر، وخالية من الأفكار إلى هذه اللحظة، لكن كانت مجبورة أن تتبع يوسف.. وصلوا إلى المستشفى وتم نقل يوسف إلى التشريح ليُتم إنهاء الأوراق القانونية له وبعدها للثلاجة، وتم نقل خالد هو الأخر إلى الطوارئ والأصدقاء دخلوه معه. كان خالد مستلقٍ على الفراش الأبيض وحوله روجيه و مونيكا و طوني وفادي -الذي كان مشغولاً بالأكل المجاني الذي يقدمه المستشفى للمرضى- وبعض الأصدقاء بانتظار أن يعود إلى وعيه ليساندوه في الوقت الصعب الذي يمر به. في ذات الوقت كانت نفس يوسف تعيش مغامرة وحالة انتقال, والروح لازالت تعتلي مبنى المستشفى وهي تراقب المشهد بلا مشاعر.

توقفت الحرب بهدنة أُبرمت بين الطرفين المتنازعين بواسطة دول الجوار تحت مظلة الأمم المتحدة بعد أن سيطرت الدولة الإسلامية على مناطق مهمة في لبنان. فُتح المطار جزئياً لنقل الأجانب والشخصيات الدبلماسية خارج لبنان. خالد عاد لوعيه، لكن لا يتكلم ولا يرد على محاولات الأصدقاء له بأن يتقبل الواقع ويتخطى صدمة موت صديقه. كان الأصدقاء حول خالد ولم يتركوه حتى صعد إلى الطائرة التي لم يكن بها وحيداً بلا صديقه الذي أتى معه، لكنه يقبع في صندوق ببطن الطائرة العائدة إلى الرياض.. كانوا اثنين فعاد هو وحيدا ومعه صديقه في صندوق الموت .. وضع خالد رأسه على النافذة وهو يشاهد الطائرة تخترق الغيوم بعد أن رأى البيوت المتهالكة التي علق عليها يوسف وهم قادمين إلى لبنان.. بدأ يسترجع ذكرياته الأخيرة معه وهم أمام البحر حيث سأله يوسف “ هل سوف نعود؟” كان يتذكر تعابير وجهه الحزينة الدالة على قرب موته، كان يتذكر وهم عائدون إلى الفندق ويوسف أصر أن يأكلوا من النقانق وكان هو يريد أن يأكل الفطائر من مطعم “مخلوف” المقابل لعربة النقانق.. تراكمت عليه الذكريات حتى لم يستطع أن يتحمل أكثر وبدأ يأن بصوتٍ مسموع ودموعه لم تتوقف عن الانهمار. في نفس اللحظات كانت روح يوسف تعتلي الطائرة وهي تراقب بصمت ونفسه لازالت بمغامراتها بالجانب الأخر من ذاكرة يوسف..

11143220_1133047250044128_6015738258843356934_n

هبطت الطائرة إلى مطار الملك خالد الدولي. والد يوسف كان ينتظر الصندوق الذي به أبنه وهو يعض على أطراف أصابعه. خرج خالد من المطار وكان والد يوسف أمامه وكانت الروح تراقب والنفس في مغامرتها مع الذكريات. دفع والد يوسف خالداً على صدره واتهمه بقتل ابنه الوحيد وبعدها حضنه وبكى الأثنان بحرقة.. كان حسن أخ خالد ينتظره أمام بوابة الخروج في المطار حتى يأخذه إلى البيت.. في الطريق إلى البيت نظر إلى الشوارع وإلى لوحات المحلات والإضاءة ذات اللون الأصفر؛ كل شيء بات كئيب لا روح فيه ولا حياة.. تقبل التعازي من أهله وتحمدوا له بالسلامة وصعد إلى غرفته ليحاول النوم وبيده كان هاتف يوسف الذي لم يسلمه لأهله. أم يوسف لم تعلم بالخبر بعد، لأن الخبر وصل إلى والده ولم يجرأ هو أن يخبرها، لأنه بحالة صدمة لوفاة ولده ولم يكن ليصدق حتى يرى الجثة أمامه ليتأكد، وها هو ذا قد تأكد. لطيفة والدة يوسف كانت تحاول الاتصال بابنها طيلة الأيام الثلاثة لكنه لم يرد. كانت تشاهد الأخبار وتدقق على صور الشهداء بالتلفاز لكنها لم ترى ابنها. تعاود الاتصال على خالد، وهو الآخر مقفل هاتفه. عاد حمد والد يوسف إلى البيت بعد أن رجع من المستشفى محاولاً إخفاء الحزن ظاناً أنه سيخفيه للأبد وأنه لن يُجبر أن يخبر زوجته بما جرى لابنهما في لبنان.. دخل حمد وكانت لطيفة بصالة الجلوس تشاهد قناة الجزيرة تنقل جلسة الأمم المتحدة بخصوص وقف الحرب للأبد، ويدها الأخرى على هاتفها تنتظر أن يتصل يوسف و يطمئنها بأنه بخير وأنه جلب لها البقلاوة التي أوصته عليها من لبنان.  كان وجه حمد يحكي ما لا يريده.. وقفت لطيفة وسقط من يدها الهاتف..

    “ما بك يا رجل وجهك شاحب، لا أحب أن يراك يوسف بهذا الشكل، تعرفه يحب أن يفاجئنا بعودته كما يفعل كل مره عندما يعود من أمريكا..” ضحكت لطيفة و أكملت كلامها “ أنظر ماذا يجري في لبنان، حمداً لله أن يوسف في مناطق المسيحيين وهو بعيدا كل البعد عن أي قتال حاصل.. لم يقولوا لك متى يعاود المطار عمله حتى يعود يوسف؟ تعرف لا أحب أن يبدأ رمضان من غيره.. انتهيت اليوم من لف جميع لفافات السمبوسة؛ اللحم والدجاج، وسأحرص أن أشويها بالفرن بدلاً من الزيت..”

    “يوسف يا حبيبتي يـ..”

    قاطعته “ يوسف نعم يحب السمبوسة المشوية ولا يحب غيرها.. لا يحب غيرها!!” وقفت من مكانها وتوجهت لحمد حيث كان أمام الباب “ ما بك يا رجل!” ضربته بكل ما أعطيت من قوة والشرر يخرج من عينيها الدامعتين حتى سقط عقاله من رأسه” ما بك هكذا تريد أن تخبرني بشيء لا أريد سماعه! هل أنت مجنون لتحكي عيناك شيء لا أحب أن أراه!!!!!”

    “يوسف مات” تلعثم وبكى “ قتل برصاصة من قبل جماعة ارهابية”

    “كاذب!! أنت تكذب “ بدأت تصرخ منادية يوسف “ يوسف يا سخيف أخرج حيث أنت ودع عنك ألاعيبك السخيفة، والسمبوسة لن تراها مشويه ما حييت عقاباً لك” زادت نبرة صراخها واللعاب بدأت يخرج من فمها “ قلت لك أخرج لعنك الله يا ولد!!”

ذهبت مسرعة خلف الباب ولم تجده، خرجت للشارع ولم تجده.. عادت وبحثت بالحمامات والمطبخ ولم يكن هناك. ذهبت إلى غرفتها وأتت بكراسة رسم ليوسف عندما كان بالأول الابتدائي وهمست بصوتٍ مجروح “ هذه أول رسمك لك يا يوسف هل تراها..” وكانت نفس يوسف بمغامرتها حين وصلت إلى بيت يوسف ترى والدته وهو عندما كان صغيراً وهي تعلمه الرسم.. كانت نفس يوسف تشاهد المشهد شاخصه ولم تكن تعرف بعد أنها ماتت وأن هذه كلها مراحل ما قبل الدفن.. صرخت لطيفة “ كنت قد حدثتني عن فتاة كنت تحبها وأنا رفضت علاقتك بها.. لا تقلق فأنا موافقة على أن ترتبط بها عندما تعود وهذا وعد! لكن عد ودع عنك المزاح فأنت ولدي وحبيبي، عد لعنك الله عد ودع عنك المزاح”

كانت وقتها نفس يوسف في غرفته تتحدث مع حبيبته وحينها شعرت النفس أن هناك شيء غريب يحدث، لكن ما تراه وما تشعر به كان أشبه بالحقيقة منه من الحلم.

أشرقت شمس الرياض الحارقة بسمائها الصافية التي هربت منها جميع الغيوب أو ذابت وتبخرت من غير مطر، خرج حمد من بيته تاركاً لطيفة مع والدتها وأخواتها، وتوجه إلى ثلاجة الموتى لينقل يوسف إلى مسجد الراجحي ليتم غسله وبعدها الصلاة عليه ويليها الدفن والوداع الأخير.. خالد لم ينم ليلته، ولم يكن قد نام من وقت الحادثة إلا سويعات قليلة متقطعة. دقت والدته كريمة باب غرفته

    “قم يا بُني وبدل ثيابك واستحم وكن في صلاة صديقك، فهو يحتاج إلى دعائك..”

    بتثاقل وصوت مجروح من أثر البكاء المتواصل “ حسناً، دعي أخي بدر يقود السيارة فأنا لا أستطيع”

توجه الأخوين إلى المسجد وكان حمد والد يوسف مع أقاربه أيضاً بطريقهم إلى المساجد وكانت الساعة العاشرة وستتم الصلاة على المرحوم بعد صلاة الظهر مباشر.

دخل خالد إلى المسجد الذي كان قد دخله عدة مرات بمناسبات متشابهة؛ فهذا المسجد لا أحد من غير المنطقة يذهب إليه إلا لصلاة الميت، وكأنه المسجد الوحيد الذي يقبل صلاة الميت.. تذكر خالد كلام يوسف عندما كان يقول له أنه عندما دخل المسجد هذا أخر مرة بوفاة عمه كان قد كرهه وحلف أن لا يعود إليه أبداً.. مسح دموعه التي لا يستطيع السيطرة عليها بطرف شماغة وصلى صلاة السُنة وأطال بالسجود حتى ينهي بكاؤه الذي تمكن منه.. بعدها توجه إلى مغسلة الموتى. تردد بالدخول قليلاً حتى دفعه أخاه وقال له:” اذهب وقل وداعاً، فهذه فرصتك التي لن تعود” عندما سمع خالد كلمة “ لن تعود” أجهش بالبكاء على كتف أخيه، وكان أخاه يرتب على ظهره كالطفل الرضيع.. كان والد يوسف يغسل أبنه ومن معه من الأقرباء حتى رأى خالداً أمام الباب واضعاً رأسه على الحائط ويبكي.. ذهب إليه وسحبه بلطف من يده وقال له:” قل لأبني وداعاً فكثيراً ما كان يحكي لنا عنك، فأنت كنت نعم الصديق له ونعم الأخ” جثة يوسف نائمة على صفيح حديدي والماء ينهمر عليه من كل صوب والمسك يغطي جسده كاملاً.. خالد كان يضغط على كتف صديقه بطرف أصبعه السبابة ويهمس “ قم، بالله عليك أن تقوم!!” عض على شفته السفلى حتى نزفت وهو يردد “ قم! قم!” ونفس اللحظات، لكن بعالمٍ موازي، كانت نفس يوسف تعيش مغامرة أنها في مطار الرياض والمطر الدافئ ينزل عليه وهو مستغرباً أن الجو كان بارداً وفجأة نزل المطر الدافئ في شهر أغسطس حيث المطر والبرد من سابع المستحيلات..

تم تكفين يوسف والمسك يتخلل كل خلية ميتة في جسده، وبعدها تم لفه ببشت بنيّ اللون وكان معه امرأتان. تم وضع جثامينهم خلف الستار أمام الإمام، ليتم فتح الستار بعد الانتهاء من صلاة الظهر، لتتم الصلاة عليهم وبعدها يتم نقلهم إلى مقبرة النسيم ويكون الوداع الأخير لهذا الجسد، جسد يوسف.. كانت الروح معهم بكل مكان كان يتواجد فيه جسد يوسف وكل ما تفعله هو المراقبة أو الانتظار لحدث ما..

انتهت صلاة الظهر وفُتح الستار. الإمام ردد: “ الصلاة على شاب و امرأتان” نفس يوسف كانت بالمسجد والمغسلة بمغامرة من مغامرتها وكانت تظن أنه يوم دفن عمه حامد.. صُعقت النفس واستغربت أن الميت شاب وعمه مات بعمر الخامسة والخمسين.. رأت النفس خالداً في المسجد وهو في حالة بكاء صامت، فاستغربت تواجده في عزاء عمه.  رأت النفس والد يوسف، والده، يبكي بزاوية المسجد وبيده صورة.. كانت صورته، صورة يوسف! صُعقت أكثر فكل هذه الأحداث والتنقلات التي مرت بها النفس كانت سكرات موتها ونهاية حياتها الفعلية.

حمل الأقارب ومن كان معهم كفن يوسف على أكتافهم ونقلوه إلي السيارة وبعدها إلى المقبرة وكان خالد يتبعهم بسيارته التي يقودها أخاه بدر. وصلوا إلى المقبرة بعد أن مكثوا في الدائري قرابة الساعة بسبب الازدحام بهذه الساعة من اليوم. أجمع الأقرباء حول القبر وفتحوا طريق لإدخال الميت إلى قبره بواسطة والده و أربعة من أبناء عمومته وخالد الذي أصر والد يوسف أن يكون مشارك في الدفن.. نفس يوسف بهذه اللحظات كانت ترى والد يوسف يحمل صورته وبعدها حل الظلام واهتزازات قوية من حوله وكأنه زلزال، وبعدها حل الظلام ورائحة المسك كانت لا تفارقها.. كانت النفس تكره هذه الرائحة، لكن لا تستطيع التخلص منها ولا تستطع حتى أن ترى شيء بهذا الظلام الدامس.. طمر التراب على قبر يوسف وبعده الحجر وتلاه الماء وبعدها صلوا عليه و ذهبوا .. بقى خالد بجانب القبر حتى غابت الشمس وسحبه أخاه رغماً عنه إلى السيارة وذهبوا إلى البيت، وبقى يوسف وحيدا تحت هذا التراب..

كانت النفس تسمع أصوات أقدام من الأعلى وكأنها تسكن سرداب ولا تستطع الخروج منه. كانت الروح تراقب كعادتها فوق قبر يوسف وفجأة تبين لها خيط فضيّ اللون يخرج من سرة بطنها إلى داخل القبر حيث ينام يوسف نوم جسده الأبدي.. فجأة شعرت بالخوف الشديد، وكان هذا أول شعور تشعر به الروح، لأن خلال هذه الأيام عندما كانت تتبع جسد يوسف من لبنان إلى الرياض وبعدها المستشفى والمسجد وبعدهما المقبرة، ولم تكن تشعر بأي مشاعر إطلاقاً؛ كانت تتبع فقط من دون حتى تفكير.. شعرت بالخوف، الخوف الشديد الذي تخلل كل عضو بجسدها الذي بدأ بالتشكل على شكل يوسف، لكن بحلة أفضل. بعد أن رحل خالد عند المغيب بثوانٍ، قُطع الحبل الفضيّ الرابط بين جسده وروحه.. وقتها بدأت الروح بالانتفاض وذكريات يوسف و كل آلامه ومشاعره وتاريخه بحزنه وفرحه دخلت إلى ذاكرة الروح. كانت عملية الانتقال مؤلمة جدا للروح التي دامت دقائق حتى رجعت إلى سكونها. حينها عاد يوسف بلا جسده ولا نفسه السابقة إنما روح بنفس جديدة روحية. عاد يوسف كما كان، لكن بحلة أفضل وطاقات أقوى لا تعتمد على جسد مادي بقوى محدودة.  عرف نفسه يوسف أنه عاد، لكن عاد على شكل روح. أصبح يوسف يعي أنه ذات الشخص الذي قُتل في قلعة جبيل في لبنان.. حينها فقط ندم أنه لم يأكل من مخلوف عندما طلب منه خالد ذلك…

a_astral_projection

حياتي أصبحت غريبة فأنا أعرف نفسي أنني يوسف ابن حمد من الرياض وأنني مبتعث في الولايات المتحدة.. لكن أنا الأن قُتلت.. أقصد جسدي المادي أنتهى وأصبحت روح.. طبعاً أنا جديد على هذا العالم، لعلني أقول أنه جميل لأني لم أعد داخل جسد مادي وقوته محدودة.. لن أقول لكم أنني قوي حيث أستطيع أن أحمل جبلاً، لا، لكن أستطع أن اخترق الجبل واتخلله وقس على هذا كل شيء مادي في عالم البشر.. مضحك.. أصبحت شيء غير البشر وصرت أتكلم عنهم وكأنني أفضل.. نعم أشعر أنني أفضل.. تستغربون أنني لست حزين كما كانوا من أحبهم ويحبوني عندما دفنوا جسدي المادي بالتراب، لا فعلاً أنا حزين، لكن هناك شيء لم أعرفه بعد لأني جديد على هذه الحياة، لكن لا أعرف ربما لاحقاً أشعر بالملل وأشتاق لجسدي المادي الذي كان يستمتع بأكل الشاورما وتدخين الأرجيلة و حوله الأصدقاء .. أعرف أنكم تعتقدون أن الجسد الأثيري عبارة عن دخان أو شيء شفاف يشبه “ كاسبر” الذي كنا نراه عندما كنا أطفال، لكن لا هذه معلومة مغلوطة؛ أنا أشبه جسدي المادي جداً وهذا هو شكلي حتى قبل أن أكون بجسدي المادي، لا أعرف ربما لأنني لتو اخترعت هذه المعلومة وأظنها حقيقية. لكن الفرق أن شعري لم يتساقط كما هو بجسدي المادي و جسدي ممشوق بعكسه بالعالم القديم؛ باختصار أنا يوسف لكن بأفضل حال من الناحية الجسدية، فلا شيء يؤثر علي.. أزعجتكم بكلمة مادي؟ متأسف، لكن سوف أكررها، لأنها ما تفرقني عنكم؛ فأنا أثيري وأنتم ماديين..

عندما قُطع الحبل الفضي الذي كان يربطني بجسدي المادي عادت لي ذاكرتي وبعدها سُحبت إلى هنا في مجمع الأرواح.. عندما دخلت وجدت مكان مخصص بإسمي حيث سيكون سكني، وقيل لي أنني أستطيع أن أعود للأرض متى ما أردت، ونصحني أحدهم وأسمه <شامان> أن لا أعود أبداً لأني سوف أحزن عندما أرى أهلي وأصدقائي قد تجاوزوا حزني وعادت حياتهم كما كانت قبل موتي باستثناء أني لست معهم.. قال لي أن غرفتي سوف تكون مخزن أو لأحد أخر يسكنها. لا لا لن أحزن وسوف أذهب لهم وأشاهد حياتهم فهم من أحب ولن تذهب ذكرياتهم من رأسي لأنها كل ما أملك.. الأرواح هنا بعضها حزين والبعض مثلي فرحين وكل أنواع المشاعر والحالات متواجدة كما هي في عالم البشر.. عندما كنت بجسدي المادي قرأت عن التقمص وكنت أعتقده من الخرافات، لكن أتضح لي أنه حقيقة طبيعية بمجمع الأرواح. حيث أن بعض الأرواح تسحب إلى أجساد مادية في أرحام أمهاتهم ويولدوا على هيئة طفل وتذهب منه ذاكرته القديمة قبل سن الثالثة، أي قبل أن يستطيع الكلام بجسده المادي ويكشف للعالم أن تقمص الأرواح حقيقة ويثبتها علمياً أنه كان مادي يوما ما وعاد اليوم بجسد أخر.. لكن القدر لن يسمح له أن يكشف هذا السر لأن هذه هي طريقته…

1418676707-ad8df

مرت ثلاث سنوات على دخولي هذا المجمع الذي اكتسبت فيه الخبرات والمعلومات الكافية عن طريقة التعامل مع طاقاتي الروحية، وقررت أن أنزل إلى الأرض لأنني اشتقت لمن أحبهم.. كانت رحلة طويلة جداً لكن لم أتعب فيها إلا من طول الوقت وأنا أطير في سماء تكثر فيها الطائرات. عندما كنت مادي كنت أستغرب كيف لهذه الطائرات أن لا تتصادم بالصدفة في السماء، يا لسذاجتي، لكن الأن أراهم يسيرون بشبكة مرسومة على كل الكرة الأرضية، كل طائرة بمسارها لا تخرج عنه. وصلت إلى الرياض ولم تحرقني شمسها كما هي عادتها عندما كنت بشري، وذهبت مسرعاً إلى بيتنا.. دخلت إلى غرفتي فوجدتها كما تركتها.. حتى رواية “ الإخوة كرامازوف” التي كنت أقرأها كانت لازالت بمكانها.. تمنيت أن أكملها لكن للأسف، وهذه نقطة ضعفي كجسد أثيري، أنني لا أستطيع تحريك الأشياء. نزلت إلى الدور السفلي من البيت ورأيت أختي وقت كبرت وأصبحت مراهقة جميلة تضع تقويمًا على اسنانها.. والدتي لطيفة الحنونة كانت تطهو الطعام لأبي الذي كان لتو قد عاد من عمله وكان مستلقي أمام الأخبار، وكان الخبر عن السياحة في سوريا الشرقية التي تستقطب الخليجيين.. “لما لا أذهب إلى لبنان؟!” تساءلت مع نفسي.. نعم فأنا روح ولي نفس كما البشر.. قررت أن أذهب لأرى خالد، كم اشتقت له هذا “ الأزعر” ذهبت مسرعا إلى بيتهم وانتظرته لساعات طويلة ولم يأتي!! قررت الذهاب إلى لبنان والعودة بعدها إلى بيت خالد لعله رجع إليه.. وقفت أمام قلعة جبيل الشامخة حيث قُتل جسدي وفارقت بعدها حياة البشر.. تأملت المكان وكان شعوري الأثيري هو نفسه ما كنت أحسه عندما كنت مادي؛ هو الحب.. رجعت إلى السوق وكانت سوسو بمكانها تحتسي القهوة وطوني يلاعب كلبه وفادي مشغولاً بأكل الساندويش، و روجيه لا يتوقف عن شرب البيرة.. كانوا يتحدثون عن خالد أنه لن يأتي إلى جبيل حتى يعود من شهر العسل في ميلانو.. تزوج صديقي ولم أنزل من مجمع الأرواح لأكون معه في يوم فرحه.. هنا شعرت بالحزن الذي حذرني منه شامان السمين.. جلست فوق سور القلعة وعيناني على البحر.. شعرت بالوحدة والحزن الشديد؛ فأنا روح وحيدة لا أحد يعرفها ولا يراها في هذا المكان.. حملت حزني معي وعدت إلى الرياض أطير وحدي فوق حدود عربية جديد تم رسمها بهذه الثلاث سنوات التي قضيتها في مجمع الأرواح وأنا أتلقى التعاليم الروحية. دخلت غرفتي واستلقيت على سريري ونمت وحلمت أنني بشري يأكل الشاورما ويضحك مع الأصدقاء الذين لم يروني في جبيل ودخان الأرجيلة يخرج من فمي..  كم أنا حزين فدخان الأرجيلة وجوده حقيقي أكثر مني..

11017196_1133046953377491_2906913435204389081_n

استيقظت على صوت أمي وهي توقظ أختي من النوم لتذهب إلى المدرسة.. سمعتها تتحدث إلى باب غرفتي معي!

ـ “ ماهي أخبارك يا أبني؟ هل أنت محتاج شيء مني لأني سوف أذهب إلى المدرسة وسوف أتأخر قليلا، لأنه كما تعرف اليوم هو يوم اجتماع المعلمات.  وضعت لك الفطور في المطبخ، انزل متى تشاء”

ترجلت من على سريري بسرعة وحاولت فتح الباب، لم استطع، صرخت بأقوى صوت أثيري أستطيعه، ولم تسمعني، و أكملت

  “صديقك خالد سافر مساء اليوم إلى ميلانو مع زوجته لمياء، وكان هنا الليلة الماضية عندنا في البيت وسوف يعود خلال أسبوع… هو يسأل عنك أيضاً، هيا لا تتأخر على الأكل لكي لا يبرد، لقد طبخت لك البيض المخلوط مع الطماطم والبصل التي تحبهم”

خرجت من الباب المغلق ووقفت بجانبها وهي تتحدث مع الباب، و أقول لكم دموعي الأثيرية تحرق أكثر بمليون مرة عن الدموع المادية.. شعرت بحرقة بكل جسدي وأحسست بقهر لا يوصف ولا يكتب؛ أمي أمامي تتحدث معي وأنا هنا، أسمع وأرى، لكن لا أستطيع أن أحضنها، أن أمسح دمعتها، أو أن تمسح دموعي وتأخذني بحضنها.. آواه يا روح!

مللت الجلوس في غرفتي لوحدي، وأهلي كلهم ناموا ولا أستطيع أن أستمع لحديثهم كما أفعل خلال هذا الأسبوع.. خطرت على بالي فكرة أن أزور بيت عشيقتي القديمة، وهذا لا يعتبر شيء سيء أن أذهب لبيت امرأة متزوجة، وبالتأكيد عندها ولد أو أثنين. لأنني روح لن تستطيع رؤيتي ولا سماع صوتي، ولن أطيل البقاء على أي حال. صديقي خالد كان دائما يوبخني أنني كنت لازلت متعلقاً بها حتى بعد أن تركتني لتتزوج رجلاً أغنى مني ومن عائلة أجداد أجدادها كانوا من التجار القدامى؛ فالغنى وراثة وليس مجهود خاص وتعب.. حمداً لله أن خالد ليس روحاً معي كي لا يمنعني من هذه الزيارة الخاطفة… لن أحزن كما قال شامان السمين، لأن مشاعر الحب ماتت مع جسدي المادي، ولن أستطيع أن أحبها حتى لو هي أرادت لأنني ببساطة روح لا جسد مادي لدي.. طرت على مستوى منخفض في مدينة الرياض وكُشفت لي البيوت المغطاة بـ(الشينكو) ورأيت نسائهم وهم لا يختلفون عن أي نساء في هذا الكوكب المسمى الكرة الأرضية… وصلت إلى حي الملز حيث مسكن هيا حبيبتي السابقة وزوجها..

دخلت كعادتي من السطح لكي أدخل على صالة الجلوس التي تتوسط البيت وبعدها أتجول فيه على راحتي.. رأيت زوج هيا وهو يداعب امرأة غريبة ليست بهيا ( لو رأيته يداعبها لحاولت حمل موقد النار الذي أمامي وهشمت به رأسه) اعتقدت أنه يخونها، فخرجت من البيت فوراً وتوجهت إلى بيت أهلها في حي المحمدية.. دخلت من السطح وتوجهت إلى غرفتها التي أحفظ موقعها لأن جسدي المادي زارها عدة مرات ونام فيها أيضاً. دخلت من الباب المقفل وكانت الغرفة يكتسيها الغبار ومن الواضح أنه لم يدخلها أحد أبداً منذ قرون. ذبت بأرضية الغرفة ونزلت إلى الطابق الأول حيث والدتها وأختها وأخاها ووالدهم وكانت معهم طفلة صغيرة عمرها يقارب السنتين.. كانت تشبه هيا شبها كبيراً جدا!  سمعت والدة هيا تناديها

– “ ماما جنى تعالي هنا وأنهي طبقك قبل أن نصعد لننام”

من هي يا تُرى؟ هل هي بنت هيا؟ أم أن والدة هيا قررت أن تنجب وهي بهذا العمر؟

– “ الله يرحمها هيا، أبنتها تشتبها حتى بالعناد وعدم الأكل، هيا كانت تقول: أكره أنني أكل ،وأكره الحاجة لجسمي للأكل” والد هيا، فاهد يتنحنح وهو يشعل سيجارته بعد وجبة العشاء..

أول فكرة أتت لرأسي أن هيا متواجدة الأن في مجمع الأرواح لوحدها من غير زوجٍ ولا والد، وكلنا أروح متساوون لا أحد أغنى من أحد.. هناك بمجمع الأرواح المعنى الحقيقي للاشتراكية التي كنت أقرأ عنها في العالم المادي، وأجزم أن روح كارل ماركس انتقلت إلى هنا وهذبت الأرواح المتناحرة فيما بينها وحلت بينهم الاشتراكية، وبعدها تم نداء روحه ورجعت إلى جسد بشري آخر ..لا علينا هيا حبيبتي متواجدة في مجمع الأرواح، وخالد سوف يعود بعد يومين أو ثلاثة من ميلانو مع زوجته لمياء، بإمكاني أن أذهب للبحث عنها وأعود حين عودته، كأنه ينتظرني على أي حال.. سنكون أنا وهيا كحبيبين روحيين و خالد ولمياء كحبيبين بأجسادهم المادية..

ذهبت إلى بيتنا، قبلت خد أُمي وأبي وأختي، حاولت لمس ما طبخته أمي لي وتركته في المطبخ كما هي العادة لتعود وترميه قبل أن تنام في القمامة، لكن أنا روح لا أستطيع لمس شيء.. حلقت بالسماء متوجهاً إلى مجمع الأرواح و وصلت بعد سويعات كانت مملة وأنا أحلق في الفضاء الأسود بلا رفيق أو صديقٍ أو حبيب، لكن عندما أرجع مع هذا الطريق سنكون أنا وهيا، وسآخذها لكل مكان هي تريد؛ سنذهب إلى جبيل حيث الجمال وأريها موقع قتلي وبعدها إلى برشلونه لنرى ميسي وهو الذي لازال يلعب وكأنه صاحب الثالثة والعشرين سنة، وإلى أي مكان هي تحبه.. لا أعرف حتى الأن كيف تتعاشر الأرواح، لا أكذب هناك الرغبة لكن لا أعرف ماهي الطريقة..

وصلت إلى مجمع الأرواح وذهبت إلى المساكن التي يسكن بها كل من يحمل حرف الهاء ببداية اسمه؛ هدى، هنادي، هند، هاشم، هارون، هاني، هشام، هيا.. هيا وجدته! طرقت الباب. معلومة: (نحن في مجمع الأرواح نستطيع لمس بعضنا البعض وأيضاً لمس الأشياء التي نملكها وهي مصنوعة من مادة روحية مستخلصة من أرضنا الروحية؛ كالطاولات والأبواب وغيرها من الأشياء المادية بعالم البشر لكنها روحية) فُتح الباب وطلت هيا، ولا أخفيكم أنها اندهشت عندما رأتني مما زاد من رغبتي بها وبحبنا الذي كان في العالم المادي..

    “يوسف الله يرحمك! أقصد يوسف أنت هنا؟؟!”

    “نعم نعم يا هيا، أنا هنا منذ مقتل جسدي في لبنان، لكن أنت كيف مات جسدك؟ للتو كنت في منزلكم بأول رحلة لي إلى العالم المادي وسمعت بوفاتك!!”

    “نعم.. كنا نحاول أنا وزوجي…” سكتت قليلا و أنزلت رأسها بالأرض” متأسفة جدا يا يوسف على ما حدث بيننا في العالم البشري، لكن الظروف تقودنا لا نحن من نقودها.”

    “لا علينا نحن في عالم أخر، دعينا لا نتحدث عن الماضي، نحن أرواح يا هيا، هل تتخيلين نحن أرواح! أكملي ماذا حدث ليموت جسدك وأنت بشبابك..”

    “نعم كنت أقولك لك أنا وزوجي كنا نحاول الإنجاب كأي زوجين، لكن كل محاولة كان الجنين يموت في الشهر الثالث. الطبيب للمرة الرابعة التي نظفت فيها رحمي قالي لي أن العودة للمحاولة مرة أخرى ستكون خطيرة على حياتي، و يجب أن أكون مؤمنة بقضاء الله وقدره و أن أتوقف عن المحاولة.”

    “وماذا جرى، لا تقولين لي أنك لم تسمعي تحذير الطبيب!؟”

    “بالفعل هذا ما حدث، لم أسمع لأني أردت أن أنجب كأي بنت طبيعية. لم ترى يا يوسف نظرات النسوة لي، خاصة من والدة زوجي الـ***ـة! وكأن الأمر بيدي! حملت وكنت أراجع الطبيب أسبوعياً، لكي يراقب الحمل ويحاول أن يحافظ عليه. انتهى الشهر الثالث ولم يمت كإخوانه، فرحت، لكن تعبت جداً وكأن الجنين كان يأكلني من الداخل، يأكل أحشائي وكل ما فيّ. الشهر التاسع كنت قد أصبحت طريحة الفراش لا أتحرك، حتى أمر الطبيب أن تجرى لي عملية قيصرية. كنت مخدرة بالكامل خلال العملية وبعدها ها أنا هنا أمامك في هذا المجمع ولا مرض ولا ألم، ولا حتى طفل يذكرني كوالدته في عالم البشر..” حاولت تغيير الموضوع بعد أن سقطت من عينها دمعة حارقة أوجعتها و أوجعتني معها.. “ هل تذكر أيام صبانا يا يوسف وعن المغامرات التي عشناها وأنت تأخذني بسيارتك والهيئة تلاحقنا..

    “بنت..”

    “نعم!؟”

    “أنجبتِ بنت ولم تمت وهي تشبهك جدا! حتى بأطباعك”

    “عن ماذا تتحدث يا يوسف جسدي مات ومعه الجنين! “

    “لا لا لم تمت وأسمها جنى”

    “يالللله!!! هذا الاسم الذي أخترته!! وهل هي تعيش مع زوجي؟؟ هل هي بصحة جيدة؟؟ هل السنوات هنا هي ذاتها السنوات هناك؟؟ هل عمرها سنتان؟”

    “جنى تعيش مع والديك.. وزوجك من الواضح أنه يعيش مع امرأة أخرى لأني كنت هناك قبل ذهابي إلى بيتكم في حي المحمدية.. لم أكن أراقبك حتى بعد موتي، لكني شعرت بالملل وقررت رؤيتك وخيراً ما فعلت.. جنى بصحة جيدة، وشقية جداً ولا تحب الأكل كوالدتها..”

    “أُريد أن أراها يا يوسف حقاً أريد!!”

    “لكن”

    “لا لكن يا حبيبي. أسفه..”

      “قوليها أرجوك فنحن في عالم الأرواح!”

    “حبيبي. كنت ولازلت.. “

    “لكن هناك شيء أريد أخبارك به، لا تضعفين أمام الواقع أنك لن تستطيعي لمس بنتك، ولن تستطيعي ملاعبتها، أرجوك أن لا تضعفي، لأنك لو ضعفني ستعيشين من الأرواح في منطقة البؤس مع الذين ضعفوا ولم يستطيعوا تخطي ضعفهم.. “

    “لن أضعف وأنت معي”

    “أحبك”

    “و أنا أموت “ روحيا” عليك..” وضحتك باستحياء

الإعلانات بكل شوارع المجمع الروحي عن حفلة ذكرى وطلال مداح القادمة في ساحة الروح الأولى، وطبعاً الحضور شعبي ومجاني، فهذه ميزة المجمع أننا لا نحتاج “للمادة” لكي نستمتع، فكل شيء موجود و متوفر لنا بالمجان.. طرت إلى المنطقة “ هاء” لأخذ هيا من مسكنها والذهاب بها للحفلة. بدأت ذكرى بغناء أغنيتها الشهيرة “ إلين اليوم” وبعدها “ يوم ليك” أخر أغنيتها في العالم المادي، قبل أن يقتلها زوجها، أو كما أنتشر الخبر وقتها أنه هو من قتلها.. لا علينا هذا موضوع أخر.. أنا موضوعي هو هيا وجمالها.. غنت ذكرى أيضا أغنيتها “ قالها، قال أحبك قالها” وكنت أنا أهيم في جمال هيا ويدانا متشابكتان، كل ما قالت ذكرى “ قالها” كانت تضغط أكثر على يدي وتقبلني.. دخل طلال مداح وبيده العود المصنوع من الخشب الروحي العريق، بدأ بالغناء مع ذكرى أغنية “ أبتعد عني ما أحبك وش تبي بي” وبعدها خرجت ذكرى وكان المسرح لطلال صوت الأرض الروحية وفنان الأرواح الأول..

13015097_1312793635402821_139467273555853538_n

حان وقت السفر إلى عالم البشر، لكن هذه المرة لن أكون وحيداً وحبيبتي هيا معي. كنا نطير بالفضاء الدامس لكن بريق عيناها كان ضيائي، و ابتسامتها كانت كل ما أريد.. وأنا كنت لها كل شيء وكنت الملاذ والنهاية السعيدة، التي كنت أظن أنها لأبد الأبدين. وصلنا للرياض وحلقنا عن قرب من المدينة لكي ترى البيوت وسكانها وحياتهم قبل أن نصل إلى بيت أهلها في حي المحمدية.. وصلنا إلى البيت، لكن لم ندخل من السطح كما أفعل أنا، كنت أريدها أن تدخل من الباب المقفل.. قبل أن ندخل قبلتها من شفتيها، و نبهتها أن لا تضعف مهما كان وذكرتها بأغنياء العالم والأمراء والملوك في العالم المادي الذين ماتوا وقدموا إلى مجمع الأرواح ولم يتأقلموا على الحياة الاشتراكية، وعاشوا في البؤس على ذكريات الماضي الذي لن يعود.. أكدت لي أنها لن تضعف وأنا بجانبها، وهذا زادني أعجابنا بنفسي أولاً وحبا لها أولاً أخر، فأنا لا أجعل حب حبيبي هيا ثانياً..

download

دخلنا سويًا من خلال الباب المغلق وكان والديّ هيا يتابعان برنامج حواري على قناة عربية، و كانت جنى تلعب في لعبتها التي جلبتها لها هيا قبل موتها و مولد جنى.. نزلت دمعة حارقة سالت على خد هيا، مسحتها بيدها وأخذت الدموع تتلألأ.. اقتربت من بنتها وحاولت لمسها، لكنها لم تستطع.. حاولت تقبيلها ودموعها تنزل كالشلال، حينها تذكرت دموع خالد و هو يسكب قارورة الماء التي بحوزته على قبري وأمي وهي تخاطب الباب.. كم اشتقت إليهم، لكن لن أضعف.. توجهت إلى والدتها ووضعت يديها على وجنتيها وهي تحاول تقبيل جبهتها، ودموعها الحارقة لا زالت تنهمر، ذهبت لوالدها محاولة أن تقبل رأسه و دموعها كانت تنزل على رأسه وتخترقه حتى تذوب وتختفي بالعدم. عادت إليّ وحضنتني بقوة، وأنا كنت الأثيري الملموس الوحيد في هذا المكان. قبلتني بحرارة ودموعها كانت تحرقها وتحرقني، لأن دموعي نزلت وتشاركت مع دموعها بالانهمار.. قلت لها أنه حان وقت الرحيل، فوافقت من دون تردد وهذا ما طمأنني أنها لن تضعف وتبقى بينهم..

ذهبنا إلى بيتنا وجلسنا مع عائلتي الذين لم يشعروا بنا. ذهبنا للمطبخ و رأت هيا الأكل التي تعده أمي لي يومياً منذ وفاة جسدي قبل ثلاث سنوات.. دخلنا إلى غرفتي، التي هي قد دخلتها بجسدها المادي وكانت تقول لي وقتها أنها لن تتركني مهما كانت الظروف.. ذكرتها بذاك اليوم وضحكت حتى نسيت أنها كانت حزينة.. هنا كانت أول أرجيلة ندخنها سوياً وهنا كان عش حبنا وأجمل أيامنا..  طُرق الباب وكأن العائلة كانت تنتظر زائر. الزائر كان خالد، كان قادماً من المطار هو وزوجته محملين بالهدايا لأمي وأبي وأختي الصغير التي كان نصيبها من الهدايا الكثير الكثير.. كم كبرت يا خالد وتغيرت شكليا.. شعرك تساقط و ذقنك تناثر الشيب به. كم أنت وفي لم تنسى صديقك وأهله حتى بعد مرور كل هذا الوقت يا صديقي..

كنت جالساً على كرسي بطاولة الطعام المقابلة لصالة الجلوس حيث هم جالسون، وكانت هيا واقفة واضعةً يديها على كتفي وتتطلع بهم. تناولوا العشاء سوياً وأنا أراقبهم وأنتظرهم أن يتذكرونني.. أنهوا العشاء وبعدها طلب خالد أن يذهب إليّ..

    “خالة لطيفة هل لي أن أذهب إلى يوسف قليلاً قبل ذهابي للبيت. “

    “نعم يا بُني هو بالأعلى ينتظرك.. خذ المفتاح فالباب مغلق

هنا علقت أخت يوسف المراهقة “

    “أمي لا تعطي هذا المفتاح لأحد حتى لي!! يا سلام يا سلام!”

صعد الدرج خالد وتبتعه وهيا تتبعنا.. توجه لباب غرفتي وفتحه بالمفتاح.. جلس على سريري.. وقال لي نكت و كنت أضحك عليها ضحك هيستيري وهيا تسألني عن ماذا يتحدث هذا المجنون، قلت لها أنني سأشرح لها لاحقاً فهذه نكت بيننا أنا وخالد.. بكى قليلا ووضع هديتي التي كانت مغلفة ولا أعرف ما بها. أمي لاحقا أخذتها ووضعتها مع الهدايا المغلفة في درج غرفتي.. خرج خالد وتبتعه حتى عرفت بيته الجديد لأعود إليه لاحقا.. وكانت هيا تردد علي أن لا أضعف.. وكنت أقول” أنا من يعلمك الصمود يا فتاة، أتبعيني وأنتِ صامتة” وقبلتها لكي لا تغضب، فهي تغضب كل بداية شهر مني من دون سبب هي ذاتها لا تعرفه.. بعدها ذهبنا بجولة حول العالم أنا وهيا و رأينا كل ما كنا نريده وعدنا إلى مجمع الأوراح بأمل العودة مجدداً إلى الأحبة..

بعد مرور السنة شعرت بدوار ومرض لا تشعر به الأرواح عادة. هيا كانت خائفة علي كثيراً وأنا كنت خائفاً على نفسي أكثر.. شامان السمين يقول أن هذه ربما نوبات ما قبل العودة لجسد أخر، لكنه لم يكن متأكد لأنه كان ينظرها ولم يشعر بها أبداً..

شعور غامض أجبرني أن أعود للأرض وكانت هيا تريد العودة معي لترى أبنتها.. دخلت إلى بيتنا ولم يطرأ عليه أي تغيير. جلست معهم حتى ناموا، وذهبنا إلى بيت هيا وقبلت أبنتها و والديها.. لم أعرف ما سبب هذا الشعور الذي سيطر على كل عظمة روحية بجسدي..  قررت الذهاب إلى بيت خالد فهو الوحيد من أصدقائي الذي له تواصل معي روحياً حتى لو لم يكن يشعر بوجودي.. أو لسبب ما لا أتذكر من هم أصدقائي غيره..

  عاد خالد إلى شقته بعد يوم طويل وشاق من العمل في شركته، وكانت لمياء في صالة الجلوس تقلب صفحات كتاب عن أسماء المواليد ومعانيهم. خالد و لمياء اتفقوا أن لا يعرفوا ماهو جنس المولود القادم حتى يأتي، لأن خالد يحب عنصر المفاجأة بحياته، وكذلك لمياء. خالد الذي اختار الاستقلالية عن أهله ماديا، واعتمد على عمله لبناء بيته، كان يسكن شقة صغيرة هو و زوجته في شمال الرياض…

    “حبيبي العشاء في الثلاجة، فاصوليا مع اللحمة و الرز، جلبتهم لنا والدتك التي كانت هنا قبل قليل. أنا سبقتك، كُل وتعال أريد الحديث معك بموضوع مهم..”

    “وأنا أيضاً سبقتكم وأكلت في الشركة مع الموظفين لأن مدحت، الموظف المصري بقسم الإنتاج، أصر علينا أن نأكل من اللحمة التي جلبها للشركة فرحاً بمولوده الأول.. هل هو موضوع ضروري أو ينتظر إلى الغد، فأنا متعب جداً”

      “ ينتظر،، لكن أريد أن أتحدث به الأن معك، فكل ليلة تقول لي هذه الجملة، ولن أنتظر حتى نهاية عطلة الأسبوع”

    “ حسناً حسناً يا عزيزتي، وها أنا جالس وكل آذان صاغية، إلا غضب الزوجة الغالية وأم ولي عهدي، بعد طول عمر طبعاً”

    “ يمدك الله بطول العمر.. خالد حبيبي ما رأيك أن ننتقل لبيت أكبر لأن المولود قادم ولا يوجد له غرفة خاصة في شقتنا هذه..”

    “ نعيد ونزيد في هذا الموضوع يا حبيبتي دائماً؛ كم مرة قلت لك أن لا تقلقي يا زوجتي العزيزة، فبيتنا أقترب أن ينتهي والمقاول أكد لي أنه سوف ينهيه ويفرشه قبل موعد الولادة، بعد أربعة أشهر، وأنتِ الأن بشهرك الثاني، فلا داعي للقلق.”

    “حسناً لن أقلق، وأتمنى أن لا أعيد على مسامعك هذا الموضوع مجدداً… موضوع أخر وهو أني، قبل أن تأتي، كنت أقلب كتاب عن أسماء المواليد، و يهمني أن نتشارك في الاختيار، وأنت وكأن الأمر لا يهمك، أو عملك سرقك مني لهذه الدرجة..

– “والله يا حبيبتي كل مشروع جديد يجتاح عمل وتعب في بدايته، أرجوا أن تعذريني.”.

– “ عذرتك، اعذرني أنت أيضاً لتكراري ذات الموضوع كل يوم، لكن تعب الحمل يؤثر بطريقه لا يعرفها الرجال..”

    “وهذا ما يجعلنا زوجين مثاليين.. ما هو الموضوع الثاني لأني بدأت بالنعاس، وسوف تتحدثين قريباً مع خالد النائم على هذه الأريكة.. حقاً أنها مريحة، لم أفكر بالنوم عليها مطلقاً”

    “ما رأيك بمحمد على اسم والدي، وهو أيضا اسم النبي، وحقا أنه أسم مبارك..”

    “ هممم حبيبتي هل لي بطلب وارجوا أن لا ترديه؟”

    “ طبعاً، نحن نتحدث فقط ونتشاور، إن لم يكن يعجبك اسم محمد، لا يهم أسماء الأولاد كثيرة”

    لا، بالتأكيد يعجبني اسم محمد، لكن أريد كأول مولود لي، لو كان ولداً، أن يكون اسمه يوسف، على صديقي الراحل، وأنتِ تعرفين كم كنت ولا زلت أحبه، وأريد شيئاً من ذكراه حتى لو أسمه أن يبقى معي..”

    الله يرحمه، موافقة، لكن تعدني المولود الثاني نسميه على والدي محمد، ما رأيك؟” وتبعتها بضحكة ساخرة مدت بها لسانها لتغيظ خالد.

لم أصدق ما رأيت وما سمعت، وحقاً بكيت بفرحة له ولي وندم على موتي المادي ورحيلي من عالم الأحبة.. بكيت بألم على كتف هيا وأنا أسمع الحديث الذي دار بينهم.. يريد تسمية أبنه على أسمي حتى بعد أن رحلت من هذا العالم منذ أربع سنوات وأصبحت من النسيان.. تمنيت أني لم أمت وتمنيت أيضاً أني لم أذهب إلى قلعة جبيل تلك الليلة، حتى همست بإذني هيا:” لا تضعف يا حبيبي لا تضعف أرجوك فأنا حبيبتك وواقعك..” تداركت حزني لذاتي وفرحي لصديقي.. وخرجت طائراً بسرعة من النافذة حيث خالد كان يتأمل من خلالها وهيا لحقتني..

قررت الذهاب إلي لبنان لعلي أجد سبب ألمي الذي لم يختفي. وصلنا إلى جبيل، وكانت ليلة رأس السنة. رأيت الناس فرحين وهم يرقصون حول شجرة الميلاد والمطر يهطل عليهم لكن لا يشعرون به.. وأخرين في بيوتهم يحتفلون مع من يحبون، وإنا مع حبيبي خلف “ مقهى فادي” حيث القلعة بمنظرها الخلاب وسط ظلام الليل..

قررنا بعد أن نام الجميع وبدأت الشمس بالخروج من مخدعها، أن نعود إلى المجمع الروحي، لكن هذه المرة للأبد؛ فعالم البشر مليء بالتحديات التي بإمكانها أن تضعفنا، فنحن بالنهاية أراوح بجوفنا ذاكرة ونحس ولنا مشاعر، والضعف لنا هو النهاية كما الموت للكائنات المادية.. حلقنا على مستوى منخفض فوق لبنان ورأينا متحف ملينا في الجنوب وكانت الحشائش قد نمت عليه ومن الواضح أنه مهجور، وبعدها ذهبنا إلى سورية وكانت سلسلة مطاعم ماكدونالدز بكل شارع، و الماركات العالمة اكتسحت السوق السوري الشرقي وكأن البلد تغيرت، لكن ليس للأفضل كما تقول أحاسيسي الروحية. ارتفعنا أنا وحبيبتي وعدنا إلى المجمع..

ذاكرتي بدأت تضعف ولم أعد أتذكر طفولتي، إن كان لي طفولة.. هل يصاب الجسد الأثيري بمرض النسيان؟ هذا السؤال الذي لم أجد له جواب.. حتى بعض الذكريات إن لم أقل أغلبها مع هيا قد نسيتها، وهي من كانت تذكرني فيها.. أتذكر أن لي صديق عزيز جداً أسمه خالد، لكن لا أعرف لم هو “ عزيز جداً”  أحب أمي وأبي.. ولا أعلم أن كان لي أخوه أم لا..

أنا تعتب من مرض النسيان وهيا بجانبي لم تتركني ولا حتى ثانية وكانت دائما تقص علي قصص غريبة عن عالم البشر وتقول لي بعد أن أشفى سوف تأخذني إلى هناك.. آه

آآآآآآآآه ما هذا الألم الذي أشعر به وكأنه الألم عندما انقطع الحبل الفضيّ من جسدي المادي! جسدي المادي؟؟ عن ماذا أتكلم؟ لا أعرف!!! هيا أمسكت بيدي وأنا لازلت أصرخ من الألم وشعور أن هناك شيء يحسبني إليه!!!

دوامة… دوامة صداع قاتلة!!! أين ذهبتي عني يا هيا!!

0

ظلام دامس و لزوجة، أين أنا؟؟؟!  ما هذا الكيس المطاطي الذي أنا بداخله!! أحاول التحرك لكن لا أستطع الخروج من هذا المكان! عندما أجوع يتم اطعامي من خلال هذا الحبل الملتصق ببطني! ذاته الحبل الذي قُطع مني بوقت من الأوقات لا أتذكر متى وأين.. المكان ملائم لطريقة عيشي الجديدة ولا أشعر بحاجة للمقاومة.. لحظة! هل تقمصت جسد بشري جديد؟! وهذا سبب ضعف ذاكرتي التي سوف تختفي عند بلوغي سن الثالثة؟

تمت ولادتي من جديد.. وجه الممرضة مضحك وكأنها بيكاتشو من مسلسل البوكيمون،، لا أعرف من أين أتت هذه المعلومة ومن هو بيكاتشو.. أنظر كيف تمسحني بقطعة القماش هذه، أشعر بالإثارة.. يا إلهي يداي صغيرتان جدًا .. آه أنفي يحكني، أيييي جرحت نفسي.. لاااااا الممرضة القبيحة تلفني بطريقة تمنعني من مشاهدة يداي الصغيرتان! والحكة تزداد بطرف أنفي .. دعني أمثل البكاء لعلها ترضعني فأنا جائع..

لا لا لا ما هذا العالم المضحك! الممرضة تسلمني لوالدي الجديد خالد! أنظر إلى وجهه وهو يلاعبني!! يا أحمق أنا يوسف لم تميزني؟! يا إلهي بالطبع هذا الطفل الذي هو أنا أسمه يوسف أيضاً.. يا أحمق لا تقول لي أن أقول “ إغووو” وأبعد اصبعك الضخم عن فمي! ولن أقول “ إغووو” هل فهمت!! حسناً عقابا لك سوف يزيد بكائي الأن.. الكل هنا يلعب بي وكأنني دمية!! دعني أحرك يداي الصغيرتان بالهواء فهذا ممتع.. أشعر بالنعاس… أشعر بالجوع.. دعني أبكي… أسمعكم وأنتم تقولوا “ أخيرا نام يوسف” حسناً سوف أرجع للبكاء لتكفوا عن اللعب بي… لا لا يا خالة كريمة لا تربطيني وتحبسيني بهذا الشرشف الأبيض.. لن أبكِ أعدك.. هي الأن ليس خالتي، هي جدتي كريمة..

ذاكرتي بدأت بالذوبان تدريجياً وقريبا سوف أفقد كل شي متعلق بيوسف القديم الذي لا أتذكر شي منه إلا أنه أنا، أنا محبوس بجسد صغير جداً، لكن سأكبر وسيقص علي والدي قصصـ….

    بابا.. ماما.. نانا إغغغغغغ

    خالد تعال بسرررررعة يوسف قال بابا وقال ماما

النهـــــــــــــــــــــاية

٧ نيسان ٢٠١٦

الساعة ١:٣٣ صباحا

نُشِرت في Uncategorized

اشتياق للعدم

727

 

عندما اشتاق إليكِ أشتهي أن أدخّن كل سجائري، أشتاق للاحتراقِ كلما ضجّ في دواخلي حسّكِ الذي ابتعد، حتى تمتلئ منفضتي وشقتي وسيارتي بأعقاب السجائر. يحترق كل شيءٍ فيّ، إلا شوقي يبقى فوق رمادِ يومي العاري منكِ. بحثت عنكِ بين صوري القديمة وكنتِ صامتةً لا تتحركين، بحثت عنكِ في كأسي الأول ولم تأتين، تلاه الثاني والثالث حتى سكرت حد الثمالة، ولم أجدكِ .. حتى في أحلامي، حيث كنتِ تحدثيني وتقبليني بشفتيك الساحرتين. بحثت عنكِ في دفتري وبين حروفي المترامية عليه، لكنكِ هجرتِ كل حرفٍ وكلمة، فأصبحتْ كلماتٍ ميّتة، لا روح تحيا بها، ولا معنى يُنعشها في كل نصّ.
عدت لذاكرتي، عدت لذاكرتي التي لا تخونني، باحثًا عما يشبع فقدي، وما وجدت سوى عذاباتي و أشواقي. رحلتِ من كل مكان كان مسكناً لك وبَقيَ الاشتياق وحده .. لماضٍ مبهم لن يعود..

نُشِرت في Uncategorized | تعليق واحد

الصور القديمة الصامتة

الصور القديمة الصامتة..

gibran_05

في ظلمة الغرفة، والهدوء يعم المكان عدا أصوات متقطعة لنباح كلاب الحي.. الثلج يتساقط والبرد يتخلل العظام، يجلس يوسف على سريره بعد عناء اليوم الطويل.. يقلب رواية بيده كانت ممتعة ببدايتها وصار الملل والتكرار نهجا لها ولحروفها الميتة. يطوي الصفحة التي توقف عندها بالكتاب من غير اكتراث ويلقي بها أرضًا.. يرفع غطاء السرير ويدخل تحته ويتمدد.. يمعن النظر بالسقف ويطيل الإمعان فيه حتى يرسم له السقف صورًا متحركة، لكن صامتة. نباح الكلاب عاد من جديد وكأنهم يتحدثون معبعضهم البعض من زنزاناتهم داخل البيوت، الريح تهب بقوة و يتراقص معها البيت الخشبي الهزيل. يمعن يوسف بالسقف وبالصور الصامتة. أرق. لا يستطيع النوم والبرد قارص وجهاز التدفئة لا يعمل.. حاول أن يتناسى البرد.. حاول.. ينهض من سريره ويعود مرة اخرى وهو مرتدٍ كل ما يوجد بخزانته من ملابس.. يحاول النوم لكن لايستطيع.. تلاشت الصور من السقف و عاد اللون الأصفر الكئيب وهو انعكاس للون الإضاءة.. ربما نام السقف؟! يبحث عن جواله ويطول البحث حتى يجده تحت الكتاب الذي ألقاه بلا مبالاة أرضا.. يدخل الرقم السري، وكأن أسرار العالم متواجدة بداخله.. يدخل إلى مواقع التواصل بلا اكتراث؛ اخبار طعن في فلسطين، أناس يكتبون الشعر، البعض يتذمر من البرد، كحالته، البعض يحاول تحرير البلدان ببضع تغريدات.. يخرج من هذا العالم الافتراضي ويذهب لاستديو الصور و مقاطع الفيديو.. يتخطى آخر الف صورة ويذهب للقديم.. يقف عند كل صورة ويتذكر كيف تم التقاطها. يبتسم.. يداعب النوم جفنيه.. يذهب لصورة اخرى واخرى واخرى. تنطق الصورة وتبدأ بالحركة، يبحر معها وكأنها واقع يعيشه. يسمع الأصوات ويحس بالمشاعر، ولا صوت نباح كلاب ولا صوت ريح ولا عواصف ثلجية.. تبدأ الصور بتغيير نفسها من دون أن يغيرها هو، وتنتقل من حدث لآخر، ومن مكان لآخر وهو معهم ينتقل ليعيش ما عاشه في كل صورة.. يرن الهاتف الذي سقط تحت السرير.. تعود الكلاب للنباح وصوت الريح وهو يراقص البيت الخشبي الهزيل، والبرد القارص يتخلل لكل عظمةٍ بجسد يوسف.. يجد الجوال أخيرًا، وبه تشير الساعة إلى الثامنة والنصف صباحًا..

نُشِرت في Uncategorized

عالم الأحلام

15522651._SY540_

أعيش عالمًا آخر في الأحلام. المستحيل يتحقق هناك، البعيد يقترب و الراحلون يعودون، و الموت فيه مجرد مشهد، وبعده تعود الحياة. في عالم الأحلام ..  في عالم الأحلام هناك من نحبهم ومن نرجوا لقياهم، نحادثهم و نخبرهم بما يدور بأنفسنا بلا حدود تمنعنا من الكلام ، هم هناك يسمعون، ويقولون ما تتمنى منهم أن يقولوا، أو ما نشعر به ولا نعرفه بعد في عالم البشر، وهو ما يسكن بمكان ما بدواخلنا ولم نكن بعد نراه.

هناك أرى الذين رحلوا عن الحياة بأجسادهم وسكنوا الأحلام. لم يتغيروا، لم يتبدلوا، ولم يغير طبعهم عالمهم الجديد. عالم الأحلام عالمٌ سحري فيه يتحرر الإنسان من كل نقاط عجزه التي خُلقت معه؛  هناك طاقة الإنسان لا حدود لها؛ هناك أستطيع القفز للسماء والتحليق بين غيومها.. أغوص بالبحار و أدخل أعماقها ولا أحتاج لأن أتنفس فأنا في عالم اللا مستحيل.

كل يوم لي رحلة لستُ أنا من يختارها، لأن هذا هو قانون عالم الأحلام. في إحدى الأيام، عندما كنت صغيراً، التقيت بجدي الذي لم أعرفه في عالم البشر وتعرفت عليه في عالم الأحلام. كان يحدثني عن شجرة التين في بيته وأنه كان يحبها.. عندما عدت لعالم البشر، ذهبت لهذه الشجرة  و وجدت تحتها ، بين التين المتناثر على الأرض، مبلغًا من المال، ليس بالكبير لكنه كان هدية من جدي الذي لم ألتقِ به يوماً في عالم البشر.

في عالم الأحلام نحقق ما نعجز عنه في عالم البشر.  في عالم الأحلام زرت القدس ويافا و أكلت من برتقالها، ولم تمنعني القوانين الدولية ولا الحواجز. في عالم الأحلام عدت إلى مدينتي التي أحب ولم يكن لا الوقت ولا المال عائقًا أمامي؛ كنت هناك وحسب. في عالم الأحلام رأيتها هناك خلف الباب القديم تناديني باسمي: يوسف يوسف.. وكنت أذهب إليها طواعيةً وكلي اشتياق. في عالم الأحلام هناك خوف، الحياة ليست بالمثالية، لكنه خوف نسبي، تعرف، أيها الحالم، أنه سيزول من غير أضرار.  في عالم الأحلام قُتلت كثيرا، وسجنت وعذبت أكثر، و ذهبت بعدها الى السوق القديم حيث الأصدقاء، لأكمل السهرة قبل أن أعود لعالم البشر..

نُشِرت في Uncategorized

طفولة

مشهد١:
عندما كنت صغيرا كنت أقول لأمي: إمي جوعان.. ترد بكل حنيّة و هي في المطبخ تحفر الكوسة لتجهزها لنا بيديها الناعمتين، وتقول: “انتظر يا حبيبي حتى يجهز الطعام…” فأصرخ بقوة مطالبا بالأكل حالاً، فترد بغضب: “جوع وطي ضلوع!!!” وتعود لسكونها وتركيزها مرة أخرى قبل أن..
مشهد٢:
صرت أبكي بشدة، ودموعي اختلطت بلعابي وما يخرج من أنفي، وأنا آكل الخبزة بالجبنة التي أصَرّيت عليها قبل أن تحضرها لي أمي بإمتعاض.. كانت ضربة الشحّاطة مؤلمة، وكان الجرح أقوى وقعا علي؛ صارت الشحّاطة بنظري هي السيف الأملح الذي قرأت عنه مرة بقصص الأساطير. لا علينا… لا تهم التفاصيل، لكن هذا السيف يعتبر من الأشياء المرعبة، وهذا يكفي لربطه بالشحّاطة.

مشهد٣:
الطاولة ليس بها مكان فارغ، والأكل بجميع أنواعه يقول للمهموم أن لا يحزن، ويأكل وينسى همومه. بها ما لذ وطاب من أنواع اللحوم والنشويات، وهذه هي الكوسة بمنتصف الطاولة محشوةً بلحمة الضأن المفرومة، وهذه الباشاميلا والجبنة تتخللها وتغوص بأعماقها، والدجاج المقطع على شكل مربعات متناثرة بشوربة كويكر التي لا تقاوم حمراء اللون، لكن، لكن لم أعد جائعا، و الخبزة بالجبن كانت قد أشبعتني، أمي تعيد على مسامعي اسطوانتها المكررة: “من سيأكل كل هذا الأكل؟ ألم تقل لي أنك جائع؟؟” وأنا لا أبالي لا أبالي ..
مشهد٤:
في الصباح الباكر، أنا أصرخ بأعلى صوتي: إمييييييييي جوعاااااااااان
الأم: “جوووووع وطي ضلوع، انتظر حتى يجهز الفطور..”
مشهد ٥:
اشهق بين الفنية والأخرى بعد أن ذقت الشحّاطة التي ارتطمت برأسي وهي قادمة من جهة المطبخ، وتعرف طريقها، وكأنها حمامة زاجل، لكن، وهنا المهم؛ خبزة الجبن بيدي، وهأنذا أشاهد مسلسلي المفضل الرمية الملتهبة.

.images (3)

نُشِرت في Uncategorized